الشيخ محمد رشيد رضا
257
الوحي المحمدي
الملوك الفاتحين والمشرعين ، ربّى أمة من الأمم في عشر سنين أو عشرين ، فجعلها أهلا لفتح الأمصار ، والسيادة على الأمم الحضرية ، وسياستها بالعدل والرحمة ، وتحويلها عن أديانها ولغاتها بالإقناع وحسن القدوة ، ولا نشترط أن تكون هذه الأمة التي علمها وهذبها ووحدها رجل واحد كالأمة العربية في عتوها ولا أن يكون هذا الرجل أميّا كمحمد صلّى اللّه عليه وسلم . فأين الوحدة الجرمانية والوحدة الطليانية في عصر العلوم والفنون والفلسفة والحضارة والقوانين ونظم الاجتماع والحرب ، من الوحدة العربية المحمدية في عهد الأمية والجاهلية ؟ بل أين الوحدة الإسرائيلية ، في عهد الآيات والعجائب الكونية من الوحدة العربية الخاصة ، ثم الوحدة الإسلامية العامة في عهد آيات القرآن وعلومه الإلهية ؟ . ثم نفّذ ذلك التشريع الأعلى ، والهداية المثلى ، خلفاء محمد الراشدون ، وكثير من ملوك المسلمين الصالحين ، بما شهد لهم به تاريخهم ، واعترف لهم به المؤرخون المنصفون من الإفرنج وغيرهم ، بالجمع بهما بين العدل والرحمة ، وبأنهم جدّدوا بهما الحضارة الإنسانية ورقوها ، وأحيوا العلوم والفنون الميتة وهذّبوها واستثمروها ، وكانوا أساتذة العالم فيها . ثم كان من قوة هذا الدين في الحق والفضائل أن عادته جميع أمم الإفرنج وحاربته بجميع قواتها الصليبية - الهمجية منها والمدنية - ثم بعلومها وفنونها ونظمها المدهشة ، ولا تزال تحاربه وتبذل الملايين من الدنانير لتحويل أهله عنه ، بعد زوال قوة دوله ، وغلبة الجهل على شعوبه ، بجميع أساليب الدعوة المسماة بالتبشير ، وبجميع وسائل القوة والنظام ، وبمساعدة الملحدين فيه كالقاديانية ، وتقترف دولهم وجمعياتهم الدينية في ذلك من رذائل الظلم والبغى والكذب ما يتبرأ من مثله شرار المجرمين ، ولم يستطيعوا له هدما ، ولا أن ينصروا مسلما واحدا عرف الإسلام « 1 » . قال الله تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 32 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ التوبة : 32 ، 33 ] .
--> ( 1 ) هذا ما نقله الدكتور مارديس المستشرق الفرنسي في مقدمة تفسيره عن إجماع المبشرين كما تقدم في مقدمة الطبعة الأولى .